"السياسة الأوروبية في القرن العشرين"

Leave a Comment

"السياسة الأوروبية في القرن العشرين"
مخاطر تحوّل المشاركة السياسية إلى مشاهدة سياسية
د. عزالدّين عناية*

تبدو شعوب الربيع العربي مهووسة بالشأن السياسي إلى درجة لافتة، يلحظ ذلك بارزا المراقب للواقع العربي في وقتنا الحالي. وفي غمرة ذلك الهوس، تلوح بعض التجارب السياسية الغربية حاضرة بوقعها وبأثرها في المخيال السياسي الجمعي، في شتى الطروحات، وفي عديد السياسات، وفي تحبير الدساتير وفي الجدل الدائر حولها. غير أن التحدي الأكبر أمام العرب اليوم وهو صنع أنموذجهم السياسي الأصيل، دون تفريط في الاستعانة بتجارب الآخرين، إلى حدّ الإهمال، أو الاقتداء بها إلى حدّ الافتتان. كتاب "السياسة الأوروبية في القرن العشرين" الصادر بالعربية، للإيطالي باولو بومبيني، وبترجمة ناجي رزق ومراجعة عزالدين عناية، يضع خلاصة قيّمة أمام القارئ العربي لمسارات السياسة الأوروبية في القرن العشرين.
حيث يستعرض الكتاب ويحلّل في ستة فصول تطوّر الأنظمة السياسية في أوروبا بدءًا من أزمة نهاية القرن، والمقصود هنا ما لاح في الأفق من مظاهر تعثر مرّ بها النظام السياسي الليبرالي في نهاية القرن التاسع عشر، مما أثار جدلاً حول طبيعة هذا النظام، وأدى إلى التشكيك في صحة أسس الليبرالية المتعارف عليها حتى تلك الفترة. إذ شملت الأزمة قضايا محورية وكانت نقطة انطلاق دراسات فلسفية وسياسية واجتماعية.
حول هذه القضايا، وفي مقدّمتها المشاركة الشعبية والتمثيل العمومي، الذي اتفقت أوروبا بكاملها تقريباً على كون حق الانتخاب وسيلة التعبير عنه، قسّم الكاتب الفصول حسب الفترات الزمنية، وبالتالي الأنظمة السياسية المختلفة، موزعاً الفصول بعد ذلك إلى محاور فرعية للتعريف بـ"اللعبة السياسية" في كل بلد أو مجموعة بلدان تشابهت فيها التوجهات. وبالتالي، كان من الطبيعي أن يُسلّط تركيز على النظام السياسي البريطاني الذي غدا لفترة طويلة أنموذجاً للدول الأوروبية الأخرى في قضايا عديدة، من بين أهمها الفصل بين السلطات، أو السياسة الألمانية وتطوراتها خلال الفترة الزمنية التي يغطيها الكتاب. وهناك بالطبع فرنسا وانعكاسات تركيباتها السياسية على أوروبا، دون الحديث عن أوروبا اللاتينية مع متابعة دقيقة للسياسة وأنظمتها في إيطاليا وإسبانيا.
يجد قارئ الكتاب نفسه أمام عمل تاريخي من جهة، يسرد فيه المؤلف بالتسلسل الزمني تاريخ النظام الليبرالي في أوروبا، وتحليل غير مباشر من جهة أخرى لأنظمة بعينها وسياسات محددة في فترات تركت بصمات لا تمحى على تاريخ أوروبا والعالم. وتكفي الإشارة إلى الحربين العالميتين، وإلى النازية ثم الشيوعية وانهيارها. إلا أن تأريخ بومبيني للأنظمة السياسية لا يخلو من مساهمة موسوعية الطابع، حيث يتمكن القارئ من التعرف على مسيرة "مصطلحات" أصبح استخدامها اليوم متداولا وبديهياً دون إدراك كثيرين لنشأتها ومعناها الحقيقي، ينطبق هذا على قضايا يمكن اعتبارها بالتالي عامة مثل السلطة، دولة القانون، الدستور وإصلاحاته، أو على أحداث هامة يُطلع الكتابُ القارئَ عليها من خلال سرد تحليلي، ودرامي إلى حد كبير في الوقت نفسه، مثل كمونة باريس أو جمهورية فايمر الألمانية.
ويستعرض الفصل الأول أعراض أزمة الليبرالية في نهاية القرن التاسع عشر، بينما يتعمّق الثاني في أشكال هذه الأزمة في الدول المختلفة وكيفية مواجهتها من التيارات السياسية المتعددة حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى. وأما الفصل الثالث فيتناول ما يعتبره المؤلف مرحلة انتقالية في تاريخ السياسة الأوروبية، تميزت بالبحث عن أشكال جديدة لمؤسسة الدولة. وينقلنا الفصل الرابع إلى الفاشية بمفهومها العام ونشأة وتطور نازية ألمانيا وفاشية إيطاليا، ثم يستعرض الفصل الخامس ردّ الليبرالية الأوروبية على التحديات الفاشية، وينقلنا بالتالي إلى الحرب العالمية الثانية. يتناول الفصل السادس والأخير فترة ما بعد الحرب، والتي تمثل انتصاراً للأنموذج الليبرالي الديمقراطي من خلال عملية إعادة بناء سياسي اتخذ أشكالاً مختلفة باختلاف الدول، ويختتم بإشارة سريعة إلى تطورات الأنموذج الدستوري الأوروبي وتحولاته.
يقدّم المؤلف استعراضه هذا بشكل يبتعد فيه عن الأكاديمية، وإن احتفظ بدقتها، ليجعل عمله يسير القراءة على غير المتخصصين أيضاً، ما يكسبه أهمية خاصة في مرحلة تعاني فيها أوروبا من أزمة لا يعتبرها المحللون اقتصاديةً أو ماليةً فحسب بل وسياسية أيضاً، أو ربما في المقام الأول. أما بالنسبة للقارئ العربي فالكتاب يمثل فرصة سانحة من أجل إلمام إجمالي بتاريخ الأنظمة السياسية الأوروبية، في وقت تسعى فيه شعوب عربية عديدة لإعادة بناء بلدانها على أسس جديدة؛ وهو بالمثل إطلالة على إخفاقات وفشل السياسات الأوروبية أيضا. فقد نجحت الدستورية الليبرالية في الصمود على صعيد الأسس، بينما تغيرت مكوناتها ونبراتها. إذ تدريجياً لم يعد البرلمان مسرح التمثيل السياسي، بل بات يُنظر إليه باعتباره مجلساً مغلقاً لطبقة سياسية تفتقد للاحتكاك القوي بحياة الأشخاص العاديين. ذلك أن الرأي العام قد اعتقد أنه يعبّر عن نفسه بشكل أكبر من خلال ما عُرف بوسائل الإعلام -ليس المقصود هنا الصحف فقط وإنما أيضا الإذاعة وفي المقام الأول التلفزيون- إلا أن هذا الوسط قد حوّل المشاركة السياسية إلى مشاهدة سياسية، فأقصى ما يمكن للأشخاص القيام به هو مشاهدة الزعماء السياسيين والاستماع إليهم دون التمتع بوسائل التفاعل معهم، فقد باتت شرعية الأحزاب في كل مكان تعاني أزمة عميقة ومزمنة.
مؤلف الكتاب باولو بومبيني من مواليد مدينة بولزانو الإيطالية عام 1948، يعمل أستاذاً في التاريخ المقارَن للأنظمة السياسية الأوروبية، في كلية العلوم السياسية في جامعة بولونيا الإيطالية. من مؤلفاته: "الأحزاب والأنظمة السياسية في التاريخ المعاصر" 1994، "اللجنة الدستورية: مشكلة تاريخية وسياسية" 1995 و"الدولة والسياسة" 1997. يدير المؤلف مجلة: "أبحاث في التاريخ السياسي". وقد قام بنقل الكتاب إلى العربية ناجي رزق، وهو مترجم مصري مقيم في إيطاليا. تولى المراجعة عزالدين عناية، وهو أستاذ تونسي إيطالي يدرّس في جامعة روما، يشرف لفائدة "مشروع كلمة" الإماراتي على قسم الترجمة من الإيطالية. آخر أعماله المنشورة: "العقل الإسلامي: عوائق التحرر وتحديات الانبعاث"، وآخر ترجماته: "علم الاجتماع الديني".

السياسة الأوروبية في القرن العشرين
تأليف: باولو بومبيني
ترجمة: ناجي رزق
مراجعة: د. عزالدين عناية


*       أستاذ من تونس بجامعة لاسابيينسا في روما

"الفكر الجمهوري"

Leave a Comment
"الفكر الجمهوري"
مؤلَّف إيطالي حول سبل الحدّ من الفساد السياسي


د. عزالدّين عناية*
ضمن ما خطّه مونتسكيو في تعريف كلمة "وطن" في الموسوعة، ذكر أن "كل من يحيا في ظلّ الاستبداد، حيث لا قانون سوى إرادة الملك، ولا هدف سوى عبادة رغباته، ولا مبادئ للحكم سوى الترهيب، أولئك في الواقع ليس لهم وطن، ولا يعرفون حتى اسمه". وبالتالي، فليست الجدران ولا جموع الناس من يصنع الوطن، بل القوانين والعادات والتقاليد والحكومة والدستور. حيث يكمن وجود الوطن في العلاقات التي تربط بين الدولة وأعضائها، وحينما تضطرب تلك العلاقات أو تتهاوى فلا وجود للوطن بعدها. ذلك ما يحوصل مؤلف "الفكر الجمهوري" للمنظر السياسي الإيطالي ماورِيتسيو فيرولي، المترجَم إلى العربية أخيرا.
إذ يعالج فيرولي في كتابه السالف الذكر مسائل سياسية جوهرية. حيث يبين أن مفهوم الفكر الجمهوري، يتعارض في المقام الأول، مع التسلّط السياسي الذي لا كابح ولا رادع له. ذلك أن الفكر الجمهوري يتنافى أيضا مع السُّلطوية، التي تتمثل في هيمنة امرئ بعينه أو جماعة أو أكثرية تبغي فرض مصلحتها فوق المصلحة العامة.
فالسيطرة على أرواح الناس، وجعلهم على الدوام خائفين يُلحق ضررا واضحا بالجمهورية وبالحاكم. وأي نظام مجحف لا يمكنه بدون شك أن يستمر طويلا، لأن الناس يبدأون في التفكر في معاناتهم، ومن ثمة يصبحون أكثر جرأة أمام المخاطر ويحاولون تجربة أشياء جديدة دون خوف. فمن الضروري تفادي إهانة أي شخص وطمأنة الناس ومنح الهدوء والسكينة لأرواحهم.
ففي مستهلّ الكتاب وبعد تتبّع المسارات الأساسية في نشأة مدرسة الفكر الجمهوري، يتناول بالشرح معنى الحرية السياسية. فكما بيّن ماكيافيلّي، فإن الحكم الجمهوري هو الأكثر ملاءمة للدفاع عن الحرية، لأنه كفيل بمنع هيمنة بعض المصالح الخاصة على المدينة، والتي تجعل بعض المواطنين أو كثيرين منهم غير أحرار: «بلا ريب، لا يمكن الحفاظ على المصلحة العامة إذا ما لم يتم تنفيذ كل ما يؤدي إلى ذلك، وبصرف النظر عن مدى الضرر الذي يمكن أن تلحقه بهذا أو بذاك، فإن المصلحة العامة تعود بالنفع على الكثيرين الذين يمكنهم أن يدفعوا بها قدما في مواجهة القلة التي يمكن أن يلحقها ضرر». ويوضح ماكيافيلّي أيضا، أنّه من الممكن وضع قوانين تُوائم إرادة ورغبات طائفة من المواطنين، غير أن هذا يؤدي إلى هدم الحرية السياسية برمّتها. ففي إجابة جيمس هارينغتون لهوبز، حين ألّف كتاب "اللوثيان"، موردا فيه: ليس من الصواب على الإطلاق بأن مواطني جمهورية كـ"جمهورية لوكّا" كانوا أكثر حرية من رعية ملكية مطلقة كالسلطنة العثمانية، لأن المواطنين في كلتا الحالتين كانوا يخضعون للقانون. ردّ جيمس هارينغتون قائلا: مَا يجعل من مواطني لوكّا أكثر حرية من رعية السلطان العثماني هو النظام، الذي يجعل من المواطنين والحكام خاضعين على حد سواء لحكم القانون المدني والدستوري، بينما لا يخضع السلطان في أسطنبول لسلطة القانون، بل هو فوق القانون ويمكنه التحكم على هواه في الممتلكات وفي الرقاب".
فكما يؤكد ماورِيتسيو فيرولي ليست غاية القانون إلغاء أو قمع الحرية، بل الحفاظ عليها وإنماءها، لأن الحرية هي ألا نتعرض للقمع أو للعنف من الآخرين. فليست الحرية كما يقال: «أن يفعل المرء ما يروق له»، ففي الواقع مَن سيكون حرا إذا تسلّطت نزوات الآخرين عليه؟ فالحرية على العكس من ذلك، هي أن يقوم كل فرد بإعداد وضبط نفسه، وتنظيم أفعاله وممتلكاته، كما يروق له، ولكن في حدود ما تسمح به القوانين التي يخضع لها، دون أن يركن لهوى شخص آخر، وأن يكون بوسعه اتباع إرادته بشكل حر.
ثم في فصل آخر يناقش المؤلف التفسير الجمهوري للفضيلة المدنية، ليثبت أن تلك الفضيلة ليست مقصورة على الأبطال والقدّيسين، ولكنها فضيلة متاحة لكافة المواطنين في الزمن الراهن. إذ ينبغي على الجمهورية، كي تحمي الحرية، أن تكون قادرة على الاعتماد على الفضيلة المدنية لمواطنيها، أو بالأصح، على توقهم وقدرتهم على خدمة الصالح العام. فوِفق عبارة مونتسكيو: الفضيلة المدنية هي أساس وَروح الحكم الجمهوري. ولكن، يسود بين المنظّرين السياسيين المعاصرين، أن الفضيلة المدنية، حسب التصور الجمهوري، هي إمّا أن تكون أمرا مستحيلا أو خطيرا أو الاثنين معا. فهي فضيلة مستحيلة، لأن المواطنين في ديموقراطياتنا مرتبطون بمصالح الجماعات المختلفة، وليس لديهم دافع لخدمة المصلحة العامة؛ وهي خطيرة، لأن المواطنين في مجتمعاتنا المتعددة الثقافات إذا نمت فضيلتهم سيصبحون أيضا أقل تسامحا وأكثر تطرفا. أما إذا أردنا أن تعمّ الفضيلة وأن يغدو المواطنون فضلاء فسيكون من الضروري أن نضع قيودا على الحرية.
تلي تلك المسائل مناقشة في الفصول الأخيرة لمسألة كيف أن الجمهورية الحقيقية لا غنى لها عن "الوطنية الجمهورية"، التي تمثل الشعور الوحيد القادر على جعل أفراد تربوا في ظروف ثقافية ودينية وعرقية مختلفة يعملون معا ونصب أعينهم المصلحة العامة. إذ ليست النظم الدستورية، ولا حتى أفضل القوانين، كافية وحدها للذّود عن الدول من التهديد الخارجي ومن السلطوية ومن الفساد، إن لم يكن مواطنوها يتمتعون بتلك الحكمة الخاصة التي يستطيعون، من خلالها، إدراك أن مصالحهم الشخصية لا تنفصل عن المصلحة العامة؛ وبتلك الروح الكريمة وبالطموح الصحيح اللذَين يدفعان المواطنين دفعاً للمشاركة في الحياة العامة؛ علاوة على تمتعهم بالقوة الداخلية التي تمنحهم الإصرار على مقاومة المعتدين والمتغطرسين الراغبين في قمع الآخرين. ولا تمثل تلك الحكمة الخاصة، والطموح الصحيح، والروح الكريمة، سوى مظاهر متعددة لتلك الفضيلة التي اعتاد المفكرون السياسيون أن يطلقوا عليها "الفضيلة المدنية".
يخلص المفكّر ماورِيتسيو فيرولي في مؤلّفه "الفكر الجمهوري"، إلى أن الخطر الأكبر الذي يتهدّد الحرية العامة يكمن في الفساد السياسي، الذي يجعل المواطنين فاتري الهمة في التحلي بالحكمة التي تمكّنهم من الحكم بصواب على الأفراد وعلى الأشياء، ويجعلهم عاجزين عن التمييز بين الفضيلة والرذيلة، بما ينزع منهم القوة الأخلاقية اللازمة لمقاومة الاضطهاد ولمحاربة الظلم، ويدفعهم للخنوع والتملّق.

مؤلف الكتاب هو ماورِيتسيو فيرولي، إيطالي من مواليد 1952. أستاذ النظريات السياسية في جامعة برنستون. له العديد من المؤلفات المنشورة بالإنجليزية والإيطالية منها: "من السياسات إلى منطق الدولة"، من منشورات كمبريدج، و"محبة الأوطان بين الوطنية والقومية" من منشورات أكسفورد. أما المترجم فهو الأستاذ ناصر إسماعيل، مصري مقيم بإيطاليا يدرس بجامعة جنوة. قام بمراجعة الترجمة عزالدين عناية، وهو أستاذ تونسي إيطالي يدرّس بجامعة روما. له عدة أعمال منشورة منها: "الاستهواد العربي في مقاربة التراث العبري"، و"علم الأديان"، و"الإسلام الإيطالي: رحلة في وقائع الديانة الثانية".

الفكر الجمهوري
تأليف: ماوريتسيو فيرولي
ترجمة: ناصر إسماعيل
مراجعة: عزالدين عناية
الناشر: "مشروع كلمة"  أبوظبي.

المعرض التشكيلي "تواصل"

1 comment


بقلم إبراهيم ماضي 
في إطار الإحتفال بالعيد الثاني للثورة التونسية وفي إطارة بلورة عمل ثقافي يؤرخ
 لأحداث الثورة التونسية قامت جمعية أحباء الفن التشكيلي بقبلي   بتنظيم معرض للفنون التشكيلية بفضاء دار الثقافة ابن الهيثم بقبلي ، وقد شارك في هذا المعرض عدد كبير من الفنانين التشكليين بالجهة  الذين ساهمت لوحاته في تقديم  لمسات فنية إبداعية تؤرخ لثورة التونسية وتضع القضايا الإنسانية السامية على محك ريشة المبدع ، أيضا فقد شارك في هذا المعرض  فنانون من مختلف الفئات العمرية للدلالة 

على جانب التواصل في الفن عموما 

أوروك: أولى المدن على وجه البسيطة

Leave a Comment

أوروك: أولى المدن على وجه البسيطة
كتاب حول نشأة مفهوم الدولة
(ثورة حضارية غيّرت مسار البشرية جمعاء من مجتمع اللاّدولة إلى مجتمع الدولة)
د. عزالدين عناية*



مترجم الكتاب د. عزالدين عناية
في نطاق السعي الجاد لرفد المكتبة العربية بمجموعة من الأعمال الإيطالية جراء النقص الحاصل في الترجمة من هذه اللغة، أصدر "مشروع كلمة" الإماراتي مؤلفا إيطاليا جديدا بعنوان: "أوروك: أولى المدن على وجه البسيطة". وهو كتاب تاريخي أثري قيّم من تأليف عالم الآثار الإيطالي ماريو ليفِراني وترجمة الجامعي التونسي عزالدين عناية.
يعالج الباحث وعالم الآثار ليفراني مسألة أصل المدينة والدولة، وذلك استنادا إلى معطيات أثرية وتاريخية موغلة في القدم، باعتبار الحدث شكّل فعلا ثورة حضارية، قلبت مسار البشرية جمعاء. جاء اختيار حالة أوروك (مدينة الوركاء العراقية حاليا)، بموجب طابع القِدم الذي لفّها، ولكونها الأعرق في هذا المجال. إذ ليست فقط مصر ومنطقة وادي السند في مقام ثان بعد أوروك، بل حتى الحالة الصينية النائية أيضا. فمن تلك البؤرة الأصلية، من أوروك، كان انتشار أنموذج الدولة في شتى أرجاء البسيطة، تارة مقلَّدا وأخرى محوَّراً حتى يتكيّف مع أوضاع مغايرة.
ففي أعقاب المسار الطويل لحضارات العصر الحجري الحديث، من الألف التاسع إلى الألف الرابع قبل الميلاد، شهدت أوروك أول ظهور للمجتمع المتكامل في أحضانها، على هيئة دولة. ومع المراحل المتقدّمة من هذا التطوّر (عصر أوروك المتأخّر، 3500-3000 قبل الميلاد تقريبا) لاح الاكتمال النهائي لسياق التطوّر، حيث رافقته تكتّلات عمرانية بمستويات غير مسبوقة، وبهندسة معمارية ضخمة وبرونق فخم، وكذلك بانطلاق الكتابة، التي تبعها ميلاد إدارة متطوّرة وعامة.
كان لا بد من رابط تتماسك بموجبه أركان الدولة، استندت فيه أوروك إلى إيديولوجيا ذات طابع ديني. فالدولة، وفق الأنموذج المنبثق مع الثورة الحضارية، كانت في جوهرها دولة مكافأة، منتظمة ضمن دائرتين، داخلية وخارجية. تحصل فيها الأولى من الثانية، على فوائض العمل، وهو ما يتمّ صرفه في المحافظة على الحِرفيين، وعلى سير أشغال جهازي التنفيذ والتوجيه، وعلى تسيير مقاليد الدولة بلغتنا الراهنة.
لقد حفّزت تلك الثورة الإبداع التقني، حيث نشط تصنيع واستعمال أدوات البذر، وآلات الدريسة، ومناجل الحصاد، فضلا عن مدّ قنوات الري واعتماد أساليب متنوعة في السقي. كما لعب إنتاج الشعير والصوف، فضلا عن المعاملات التجارية الخارجية والصناعات الحرفية التي ترعاها الدولة، دورا مهما في تلك التطورات، وهو ما أرسى بالفعل دعائم نوع من الاقتصاد المتكامل. وما كان لتلك الأشغال أن تتوسع لولا استنادها إلى نظام تسجيل عماده الكتابة، وهو ما أفرز نظام خدمات إدارية، عضدته مهارات تسيير وقدرات حسابية دقيقة استوجبها الاقتصاد النشيط، تولى شأنها خبراء في التسجيل والحساب والتصرّف، وظّفوا أثناءها رُقُما صغيرة من الطين، لضبط الأعداد والأمتعة والأسماء والسندات العائدة إلى خزينة الدولة. بالفعل، مثّلت أوروك تحوّلا من مجتمع اللادولة إلى مجتمع الدولة، فشَتْ عدواه الحضارية شرقا وغربا وامتدّ إلى أقاصي المعمورة.
مؤلّف الكتاب هو عالم الآثار الإيطالي ماريو ليفِراني، المرجع البارز في تاريخ الشرق القديم، هو من مواليد روما عام 1939، وهو أستاذ في جامعة "لاسابيينسا"، وأستاذ زائر بجامعة شيكاغو. شارك في العديد من أعمال التنقيب الأثري في سورية وتركيا وليبيا. من بين أعماله المنشورة "أكد: أولى الإمبراطوريات العالمية"؛ "جغرافية آشور الحديثة"؛ "الحرب والدبلوماسية في الشرق القديم 1600-1100 ق.م".
أما المترجم عزالدين عناية، فهو أستاذ تونسي إيطالي يدرّس سويا مع مؤلّف الكتاب في جامعة "لاسابيينسا" في روما. ترجم عدة أعمال من الفرنسية والإيطالية، منها: "علم الأديان: مساهمة في التأسيس" لميشال مسلان، و"السوق الدينية في الغرب" لمجموعة من الباحثين، و"مدخل إلى التاريخ الإغريقي" للُوتشانو كنْفُرا، من أعماله الأخيرة الصادرة: "العقل الإسلامي"دار الطليعة بيروت 2011.

أوروك.. أولى المدن على وجه البسيطة
تأليف: ماريو ليفِراني
ترجمة: عزالدين عناية
الناشر: (كلمة ) أبوظبي 2012.

في العيد الثاني للثورة التونسية كيف ينظر أهالي قبلي لواقعهم

Leave a Comment

بقلم : مصطفى حمادي 

ثورة الحرية والكرامة  التي نجحت في العصف بعرش الديكتاتورية  والرمي بكل فروعه وكل اشتقاقاته في مزابل التاريخ  ونجحت في إعادة الإعتبار للمواطن التونسي ، تطوي صفحتها الثانية وفي عيدها الثاني حاولنا أن نسلط الضوء على انتظارات أهالي ولاية قبلي الذين سالت دماء شبابهم في سبيل نشر قيم المواطنة وفي سبيل رسم صورة ناصعة لتونس الديمقراطية ة    وفي سبيل إعادة الإعتبار للحقوق 
المسلوبة في ظل نظام الإستبداد، 


المسيحية العربية وتردّي الخطاب العلمي

Leave a Comment
المسيحية العربية وتردّي الخطاب العلمي
د. عزالدين عناية*

في مستهل حديثي عن تأدلج التناول لموضوع المسيحية مشرقا، أشير إلى أننا نفتقر في الساحة العربية إلى خطاب علمي في هذا الديانة، وأقصد أساسا الكتابة السوسيولوجية والتاريخية، التي تتعاطى مع الواقعة والحادثة بموضوعية وتجرد. فمن أين يأتي الوعي العلمي بالمسيحية والساحة العربية تفتقد إلى مؤلفات سوسيولوجية في المسيحية العربية وفي الدين عامة؟ فلا زلنا نتعاطى مع هذا الإرث الروحي من زاوية إيمانية لاهوتية في الغالب الأعم، أكان ذلك من خلال ما يُعرب عنه لفيف من الكتّاب ورجال الدين المسيحيين، عبر رؤى داخلية؛ أو بالمقابل عمّا يرِد من الشق الإسلامي، بما يستعيده من خطاب ردودي بال يدعمه مقول فقهي مغترب إلى حدّ مبتذَل، وبما يسنده من خطاب دبلوماسي أقرب إلى أحاديث الصالونات منه إلى الحديث المعرفي، وهو ما يندرج مقول السيد السمّاك ضمنه، الوارد في مقال مكرر منشور في كل من من "جريدة السفير" بتاريخ (27/12/2012)" وجريدة النهار" بتاريخ (29/12/2012) و"جريدة المستقبل" بتاريخ (31/12/2012). وهو ما هو أقرب إلى الرد والمنافحة منه إلى المقول الموضوعي، وذلك بشأن ما ورد في مقدّمة كتابي "نحن والمسيحية" المنشور بدار توبقال في المغرب.
كنت قد أعربتُ في ما سبق، أن معهود الخطاب العربي الاستهلاكي والشائع، في تناول قضايا المسيحية العربية الراهنة، رهين حسرة يائسة على مآلاتها، وخشية عاجزة أمام مصائرها، وفخر مخاتل لسابق مآثرها. وليس في ما أورد السيد السماك، بشأن مؤلَّفي، خروج عن هذا المثلّث الآسر، بل نجد خيطا رابطا في ذلك يمتد عبر جلّ كتاباته الصحفية بشأن الحوار الإسلامي المسيحي. فبموجب مهامه التي يتقلّدها كأمين عام للجنة الوطنية المسيحية الإسلامية للحوار، يحاول السيد السماك أن يكون وصيّا على الضمير المسلم بشأن التصورات المسيحية والموقف من المسيحيين. وقد يوفق في ذلك، في مشرق البلاد العربية، حيث الخطاب بشأن المسيحية، ما فتئ محكوما باستراتيجيا تصالحية تبحث عن التعايش بشتى السبل داخل واقع مستنفَر. في حين أن الخطاب في بلاد المغرب، وتحديدا في تونس، قد هجر تلك المواضع بشأن المسيحية، وانطلق في تشييد معالجة نقدية رصينة، تنأى عن ذلك الدوران الثابت. ربما يُعدّ الأساتذة محمد الطالبي وعبد المجيد الشرفي وسلوى بالحاج صالح العايب الأبرز في تمثيل تلك المقاربة العلمية التي تتعاطى مع موضوع المسيحية، والتي تقطع مع الأيديولوجي وتحاول التأسيس لمقاربات علمية.
وأبرز ما يتجلى من مظاهر معالجة السيد محمد السمّاك "الدبلوماسية"، أنها تحاول أن تحوّل تراثا معرفيا متنوعا، وجدلا اجتماعيا محتدما، وتدافعا سياسيا لاهبا، إلى سجّاد جميل يخلو من أي ما يعيبه. لا يمكن التعاطي بذلك الشكل مع التاريخ المسيحي، ولا مع الواقع المسيحي، فنحن أمام حدث تاريخي-اجتماعي بنيوي وإشكالي: صحيح أن الكنيسة العربية لها دور هام في النهضة العربية، وصحيح أن الأديرة المسيحية ساهمت مساهمة معتبرة في الحفاظ على اللغة العربية، ولكن ينبغي ألا نغفل عن السقطات والانزلاقات وأشكال التردي أيضا. فالوجه البشع للمثقف المسيحي العربي هو جزء من هذا الواقع التاريخي. ولا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا مثلا حين أتى رفقة الغازي والمستعمر إلى بلاد المغرب دليلا ولسانا وعضيدا. على غرار ما لعبه بعض المثقفين المسيحيين، من دور فاعل في تجسير الهوة بين الكنيسة الغربية الغازية والمجتمع المغربي. أمثال عيسى فرج وسليم القصباني من صحيفة "المغرب، 1889"؛ ووديع كرم من صحيفة "السعادة، بدءا من 1906"؛ والأخوان المارونيان أرثور وفرج الله نمور من "لسان المغرب، 1907-1909".
ومن جانب آخر، لا يمكن أن نتخفى عن الوضع الكارثي الذي انحدرت إليه المسيحية الفلسطينية أو المشرقية عامة. ففي شهر نوفمبر الفارط أوردت الصحفية الإيطالية المتخصصة في الشأن الفاتيكاني فرانكا جيانسولداتي في "صحيفة المسّاجيرو" تقريرا عن كنيسة القيامة، أشارت فيه إلى أن المسيحية العربية ليست فحسب في وضع إشكالي في الزمن الراهن، بل باتت تعيش وضعا كارثيا، بعد أن بلغت أزماتها حدّ عجزها عن تسديد فاتورة مياه، مما يهدد بغلق أقدس الأماكن المسيحية.
صراحة لم أجد في مقول السيد السماك متانة علمية حتى أواجهه بمتانة علمية، فهناك اهتزاز في مقوله، كما ثمة مغازلة لأطراف، ورمي للكلام على عواهنه بشأني. فقد ذهب في ظنه - مثلا- أني قاطن في مجتمع مسلم تعوزني خبرة التعايش بين أهل الديانتين، والحال أني فضلا عن كوني تونسيا فأنا من مواطني دولة كاثوليكية ألا وهي إيطاليا. وأما حماس السيد السمّاك المفرط إلى حاضرة الفاتيكان، فلعله عائد إلى أنه لم يختبر العيش في دولة كاثوليكية، وأتمنى له من صميم قلبي أن يعيش في عاصمة الكاثوليكية العالمية حتى يختبر أن يكون "ماروكينو" (أي عربي). بالإضافة أن السيد السمّاك لم يطلع على مؤلَّفي، الذي أثير بشأنه الحديث، ووددت لو أحاط بمضمون الكتاب ولم يتعجل الرد. فكتابي لا يتعلق بالمسيحية العربية بل تناول في جانب منه قضاياها، وإنما يتعرض بالأساس إلى المسيحية الغربية التي تحاول أن تلتهم مسيحيات العالم وإلغاءها.
لا يفوتني إلا أن أذكّر بأن طنين الحوار الإسلامي المسيحي قد أفرز خطابا تصالحيا ولم يفرز خطابا علميا. ولذلك يبقى خطاب التصالح الهش مهدَّدا بالانهيار في أية لحظة، وعرضة للتصدع لافتقاره إلى معارف متينة تسنده.

الغاز الصخري بقبلي

Leave a Comment

  مقال بقلم ابراهيم 
مثل الغاز الصخري وما يطرحه من اشكاليات بيئية وأبعاد تنموية من شأنها أن تمثل
 منفذا للاقتصاد التونسي في هذه الفترة العصيبة 
 محور لقاء وحوار  أشرفت على تنظيمه جمعي ة الرهان  التنموي بقبلي بفضاء المعهد العالي للدراسات التكنولوجية بقبلي ، وعلى الرغم من تباين الآراء واختلافها فان جل المشاركون أجمعوا تقريبا على ضرورة ايجاد معادلة وسطية تجمع في نفس الوقت ما بين البعد التنموي  وضرورة تحقيق الاستفادة الاقتصادية من هذا العنصر الطاقي  و ضرورة المحافظة على البيئة والطبيعة ولكن السؤال الذي يبقى قائما هو:  أي معنى للتنمية اذا ما كانت حياة الانسان في خطر 

"الإقالة من الحياة" رواية عمّالية تروي قصة الليبرالية المتوحّشة

Leave a Comment
قليلة هي الأعمال التي تروي مكابدات العمال وبالمثل نادرة الروايات التي تروي محن التسريح والطرد والفصل التي تتربص بالشغيلة اليوم. ذلك ما نقرأه في هذه الرواية الإيطالية المثيرة. فبموجب ندرة الأعمال المترجمة من الإيطالية يواصل "مشروع كلمة" الإماراتي رفد المكتبة العربية بمنتخبات متنوعة من الفكر الإيطالي. وقد أصدر في الفترة الأخيرة رواية جديدة بعنوان: "الإقالة من الحياة" للروائي الإيطالي إيرمانّو ريا. تُعدّ رواية "الإقالة من الحياة" العمل الثاني في ثلاثية روائية بدأها إيرمانّو بروايته "عجائب نابولي" واختتمها في 2007 بروايته "سكة حديد نابولي"، وتمثل مدينة نابولي بتاريخها، وشوارعها، وأزقتها، وعمالها، وعصاباتها المحور الرئيس لتلك الأعمال. وتتناول الرواية أحداثا واقعية جرت خلال العقد الأخير من القرن الفائت استقاها الكاتب من أحد العمال الذين كانوا يعملون في مجمع للحديد والصلب كان مقاما في مدينة نابولي. ويضطلع العامل «بوونوكوري» بمهمة سرد الأحداث المتعاقبة والمتشابكة للمصنع وعماله، وعبر حبكة روائية محكمة وشيقة يأخذ الكاتب بأيدينا لنستكشف عالما متكاملا ومعقدا من العلاقات والصراعات داخل المصنع، وبمقدرة فائقة يسبر أغوار العلاقة بين العامل وآلته. يقودنا إيرمانو ريا في رحلة أخاذة داخل دهاليز مجتمع نابولي والذي يشبه إلى حد بعيد المجتمعات العربية والشرقية، كاشفا لنا عن الإنسان والمكان، الطقوس والعادات، الأفراح والأوجاع. وتنتمي رواية "الإقالة من الحياة" إلى صنف الرواية الواقعية، ولكننا يمكن أن نصنفها أيضا على أنها "رواية عمالية" أو "رواية البروليتاريا" فالعامل والآلة هما بطلا الرواية دون منازع. ولم ينل هذا الصنف الروائي للأسف مكانة هامة في أدبنا العربي كما حظي به أدب الفلاح مثلا، وهذا ناتج بالطبع عن أن الصناعة لم تحتل إلى يومنا هذا دورا محوريا في حياتنا الاقتصادية أو الاجتماعية كما حدث في أوروبا، والتي قامت حضارتها الحديثة على الثورة الصناعية. ولذا فرواية "الإقالة من الحياة" تحظى بأهمية كبيرة لأنها تصور لنا واقعا قلّما سُلِّط عليه الضوء ونال نصيبه من العناية، وهو واقع ألوف العمال الذين يكافحون لساعات طويلة أمام آلاتهم معرَّضين حياتهم للمخاطر من أجل أجر زهيد، ولكنهم، رغم ذلك، يظلون هم أساس العملية الصناعية برمتها في عصر هيمنت فيه العولمة، ورأس المال، والمؤسسات الدولية على مقدرات حياتهم.
وقد ولد الكاتب «إيرمانّو ريا» في نابولي في عام 1927 وقد نال العديد من الجوائز الأدبية مثل جائزة  "فياريجو" في عام 1996 عن روايته "عجائب نابولي"، وجائزة "كامبيلّو" لعام 1999 عن روايته "نارٌ حاميةٌ". وقد أوحت رواية "الإقالة من الحياة" إلى المخرج الإيطالي جاني أميليو الحائز على جائزة الأسد الذهبي في مهرجان «البندقية» لعام 1998 بعمل فيلم سينمائي في عام 2006 يحمل اسم    La stella che non c'è (النجمة الغائبة).
وقام بترجمة العمل من الإيطالية المصري ناصر إسماعيل وهو باحث في جامعة جنوة الإيطالية بكلية اللغات والآداب الأجنبية، وقد صدرت له مجموعة متعددة من الأبحاث والمقالات التي تتناول الأدب العربي والفكر الإسلامي والعلاقات العربية الإيطالية.
أما مراجع الرواية فهو الكاتب التونسي الإيطالي عزالدين عناية الأستاذ بجامعة روما لاسابيينسا، وقد سبق له أن ترجم زهاء العشرين عملا إلى العربية وإلى الإيطالية فضلا عن العديد من الأبحاث المنشورة.

مؤلَّف "نحن والمسيحية" دراسة علمية وليس خطابا دبلوماسيا

Leave a Comment
د. عزالدين عناية 

كان الكاتب اللبناني السيد محمد السماك قد نشر ردا في "جريدة السفير" بتاريخ (27/12/2012)، وأتبعه بثان في "جريدة المستقبل" بتاريخ (31 /12/2012)، أعرب من خلال كل منهما عن رفض جلّ ما أوردته في مقدّمة كتابي السالف الذكر، الصادر بدار توبقال في المغرب. وهو أمر عادي جدا، لأن السيد السماك يتعاطى مع موضوع المسيحية العربية بمنظور دبلوماسي، بحكم مهامه ومنصبه وربما بموجب تكوينه، في حين مقاربتي فهي أكاديمية نقدية بالأساس تتعاطى مع الشأن المسيحي ضمن رؤية مغايرة. وبالتالي لا أرى أن منتقدي قد خرج عن معهود الخطاب العربي الاستهلاكي والشائع في تناول قضايا المسيحية العربية الراهنة: في تحسر يائس على مآلاتها، وخشية عاجزة أمام مصائرها، وفخر مخاتل لسابق مآثرها. لم يخرج الرجل من براثن هذا المثلث في رده المقتضب، أو في غيره من كتاباته، التي أتابعها عن كثب منذ أمد. ففي مؤلفي، الذي تناول في شق منه المسيحية العربية، حاولت القطع مع هذه المقاربة التعيسة، التي حددتُ عناصرها الثلاثة، والتي استبدت بمعالجة موضوع المسيحية العربية، لأتتبع وقائع "أفول المسيحية العربية" ضمن بعدين: أزمة الفكر اللاهوتي في وطننا العربي، ووطأة الالتهام من المؤسسات الدينية العالمية، لما تبقى من مسيحية عربية.
من جانب آخر، أورد السيد السماك كلمات نابية توجه بها إلي، على غرار: "يدل على عدم معرفة" و"يدل على جهل"، و"لم يسمع بالمطران كبوجي". وهو ما لا يليق عند تناول مواضيع ثقافية فلسنا في موضع منافحة أو جدل، فهذه البطرياركية المعرفية قد باتت من سقط المتاع. صحيح أني مغاربي، من بلد يعز فيه الوجود المسيحي، ولكن المسيحية العربية ليست شأنا عقديا أو طائفيا أو ملّيا، تعني المسيحي دون المسلم، أو المشرقي دون المغاربي، بل على تغاير مع ذلك، فهي قدر تاريخي وثروة روحية، لمن انتمى للفضاء الحضاري الذي أتناوله.
كما ذهب الكاتب السماك إلى أنه يعوزني "أمر العيش مع أهل الدين الآخر"، لا أدري ما الذي يقصده وأنا أعيش في مجتمع كاثوليكي، وتحديدا في عاصمة الكاثوليكية العالمية، منذ ما يناهز العقدين!
وبالإضافة إلى الخطاب الدبلوماسي الذين بتنا نلوكه كمسلمين تجاه رفقائنا المسيحيين، هناك وهم شائع بشأن أثر المسيحية العربية في مواقف الفاتيكان ولا سيما بشأن القضية الفلسطينية. أتساءل هل هناك ما يضاهي قوة مفاهيم "وحدة التراث اليهودي المسيحي"، و"الإخوة الكبار" -أي اليهود-، و"المسيح يهودي" و"الحواريون يهود"، ووثيقة "نحن نتذكر: تأملات في المحرقة"، حتى نتحدث عن ذلك الاصطفاف البارز مع الشق العربي؟ ربما ما نفتقده في الساحة العربية وهو الإطلالة المعرفية المنعوتة في الغرب بمصطلح -Vaticanista-، أي خبير في الشأن الفاتيكاني، ما قد يصحح التقييم المائع لمؤسسة الفاتيكان.
لا أستطيع أن أنكر عمق ابتزاز ضعف المسيحية العربية حدّ دعوة الخارج لها للتنازل عن هويتها وقرارها ولاهوتها. لَتُشبه أوضاع الفتنة والتجربة ما رصده اللاهوتي القرطاجي ترتليانوس في نهاية القرن الثاني الميلادي، بشأن نساء بلده: "إني لأجد بعض النساء منشغلات بتغيير ألوان شعورهن حتى تغدو صفراء، ويستحين بوطنهن ويتمنين لو ولدن ببلاد الجرمان أو ببلاد الغال" (Tertullien, De Cultu fem. II, 6, 1.). وربما فات كثيرون كيف يخفي المسيحي، قبل المسلم، هويته الحميمة في عاصمة الكاثوليكية، وذلك شأن "عادل" القبطي الذي غدا "فرانكو"، رغم أن الصليب يتدلى من رقبته، طمعا في اندماج لا يأتي. وربما فات كثيرون أيضا أن المسيحيين الشوام، من سكنة روما، طاف كثير منهم بنحل المسيحية الغربية، من شهود يهوه إلى المشيخيين وغيرهم، بيد أنهم وجدوا أن العربي المسلم أقرب مودة إليهم من إخوة الدين، لما خبروه أنهم محشورون في زمرة "الماروكينو" (النعت الذي يُطلق على عرب إيطاليا عامة)، ذلك بعض من حديث الوقائع الذي أسوقه في تعقيبي على الأستاذ السماك.



اكتشاف موقع أثري بولاية قبلي

Leave a Comment


ولاية قبلي التي حباها الخالق بجمال طبيعي تمتزج فيه روعة الصحراء  بجمال الواحات ، تكشف اليوم عن فصل جديد من فصول حكايتها التارخية الضاربة في القدم والتاريخ وذلك من خلال اكتشاف موقع أثري وتاريخي  يعود وبحسب  الدراسات الاولية الى العصور الرومانية . وقد تم اكتشاف هذا الموقع عن طريق الصدفة  عندما كان أحد الفلاحين بصدد حرث ارضه وتهيئتها للموسم الفلاحي، وقد قام هذا المواطن باعلام السلط الجهوية التي سارعت بدورها للتحول الى عين المكان وقامت بمعاينة الاثار التي تم العثور عليها وقد تم اعلام المعهد الوطني للآثار