التراث الشعبي بين الصفة العالمية وخصوصية الممارسة المحلية

Leave a Comment

بقلم : نوفل 




Ι – التراث الشعبي  بين الصفة العالمية وخصوصية الممارسة المحلية:

تكاد تتفق جميع الأبحاث الأنثروبولوجية والدراسات الفولكلورية في القول بأن جميع التعبيرات الشعبية أيّاً كان شكلها وأيّا كانت صفتها تنشأ في الأصل بدافع إنساني وإجتماعي، غايتها تقديم تصورات الشعوب للواقع ولإبراز تمثلاتها العامة للوجود والحياة، وأيضا لردم تلك الهوة الكائنة بين ما هو معلوم وما هو مجهول في تفسيرهم للظواهر التي يعجز العقل البشري عن فهمها وإدراكها. وإنطلاقا من ذلك فالتراث الشعبي يمثل فضاء خصبا تختزل فيه المجتمعات الإنسانية تجاربها التي مرت بها ولتأريخ الأحداث التي عايشتها. وعلى ذلك فهو يمثل إرثا إنسانيا مطلقا يتّصف في غالب الأحيان بتحرره من قيدي المكان والزمان. وهذا يعني من الناحية المعرفية والتاريخية، بأن جميع شعوب العالم بدون إستثناء قد ساهمت في هذا الفعل الدائم والبناء المتواصل، فكل جماعة إنسانية مهما كان شكلها ودرجة وعيها لها ثقافتها الشعبية ومخزونها الشعبي الخاص. وهذا ما أدى في كثير من الأحيان إلى تشابهها سواء من حيث الشكل (الحكاية، الأسطورة، الأمثال الشعبية...) أو كذلك من حيث المضمون. وهذا راجع في رأينا إلى طبيعة العقل البشري الذي يحبذ بطبعه البحث عن الأسباب ويتأثر بالنتائج، ولأن القيم الإنسانية المنشودة كالتسامح والعدالة وحب الخير أو القيم المذمومة كالظلم والإستبداد... هي واحدة لا تتغير في أي زمان وأي مكان. فلا عجب مثلا أن نعثر على حكاية هندية قديمة تشابه إلى حد كبير حكاية أخرى نعرفها عندنا والأمثلة في ذلك عديدة.
فلا مجال إذا إلى محاولة تثبيت التعبيرات الشعبية في أرض واحدة مثلما ذهب في إعتقاد الأخوين "جاكوب وفيلهام جرم" بأن الحكايات الخرافية تعود في الأصل إلى العصر الهندوجرماني وأنها تقتصر فقط على هذه الشعوب، أو مثلما زعم "تيودور بنفي" بأن موطن الحكايات الخرافية هي بلاد الهند، فمهما حاولت بعض الدراسات تأكيد الطابع المحلي أو القومي لتراثها الشعبي فإنها ستصطدم حتما بتشابهها مع باقي الثقافات الأخرى. "ولهذا فقد تشابهت أشكال التعبير الشعبي في كثير أو قليل من حيث الشكل والمحتوى"[1].
ولكن إذا ما أقررنا بتشابه التعبيرات الشعبية وأضفينا عليها صفة العالمية فإن ذلك سيضعنا حتما أمام سؤال مقلق وإشكال مُحيّر قوامه: ألا تساهم هذه الصفة العالمية للتعبير الشعبي في تغييب ذلك الطابع المحلي للشعوب وتهميش تلك الروح المحلية للمجتمعات؟
قد يبدو الأمر في ظاهره سلب وسحب للطابع المحلي والروح القومية، غير أن النظرة المتأنية للباطن تكشف عن وجود علاقة تفاعلية أحيانا وتكاملية أحيانا أخرى ما بين الأمرين. فالطابع المحلي لا يمكن أن يُفهم إلا بوضعه في إطاره العالمي ومداره الكوني. بلغة أقل تعقيدا فهذه الصبغة العالمية هي التي تضمن بقاء هذه الخصوصية الثقافية وهي التي تساهم في حماية ذلك الطابع المحلي للتعبيرات الشعبية. فعلى سبيل المثال فإننا نستمتع عندما نقرأ أو نستمع إلى حكاية شعبية لأي شعب آخر بل أن الأمر يتعدى في غالب الأحيان درجة الإستمتاع الضيقة إلى درجة الإستفادة المباشرة التي تحصل بتعرّفنا على عادات ومعتقدات باقي الشعوب.
أخيرا جليّ بنا القول بأن الدراسة الفلكلورية للموروثات الشعبية يجب أن تبقى بعيدة كل البعد عن تلك الحسابات المغرضة وبمنأى عن كل التصنيفات الضيقة التي من شأنها أن تهضم حق الشعوب في ممارسة عاداتها والحفاظ على تراث أجدادها. ولتحقيق ذلك لابد أولا من عمل الفولكلوريين في كل البلاد على جمع وتوثيق هذه المادة الوفيرة، ثم ثانيا يجب أن تلتزم كل الشعوب بحماية رصيدها ومخزونها الشعبي وأن تعتز به حتى يبقى حبل التواصل قائما بين ماضيها وحاضرها ومستقبلها لاسيما في ظلّ هذا المدّ الجارف للعولمة.

ΙΙ- واقع الدراسات الشعبية في العالم وصعوبات العمل الميداني :
1- واقع الدراسات الشعبية في العالم:
في بداية الأمر هيمنت الأنثروبولوجيا بوصفها علم دراسة الإنسان على الأبحاث والدراسات الشعبية في العالم، بعد أن وجدت فيها مادة خصبة لوصف حياة الشعوب ولدراسة التركيبة النفسية والإجتماعية للإنسان في المطلق، والإنسان البدائي بصفة خاصة. غير أن هذه الهيمنة لم تعمر طويلا ذلك أنه سرعان ما إستقل علم الفولكلور بذاته منذ أوائل القرن التاسع عشر. وقد إنصب إهتمام رواد هذا العلم الأوائل على تعريفه وتحديد فروعه وأهدافه، ومع تطوّر نسق البحث في هذا العلم برزت دراسات فولكلورية جادة تتصف بالعمق في التحليل والجرأة في الوصف.
وانطلاقا من ذلك فقد أولت العديد من البلدان إهتماما كبيرا به، بيد أنه من الضروري الإشارة إلى إختلاف الظروف والأطر التاريخية والثقافية وحتى السياسية التي ساعدت على الدفع بعجلة الإهتمام بهذا العلم  من بلد إلى آخر.
إلاّ أنّ السمة المميزة والهدف المشترك بينها جميعا كان البحث عن الروح الشعبية وتأكيد الطابع المحلي والقومي الذي يربط ما بين أبناء الشعب الواحد.
ففي فنلندا مثلا، وجد الشعب الفنلندي في الفلكلور والتراث الشعبي وسيلة ناجعة ومطية هامّة لإعادة إحياء كيانه الحضاري وإعادة بناء شخصيته الثقافية ورسم ملامح كينونيته وهويته الخاصّة به بعد أن حاول الإسعتمار السويدي في مرحلة أولى والروسي في مرحلة ثانية أن يسلبه إيّاها وسعى جاهدا إلى طمسها ومحوها. ومن أهم الأبحاث الشعبية التي يفتخر بها الفنلنديون نذكر "ملحمة كاليفالا" التي قام "إلياس نونروط" بجمعها سنة 1828.
أمّا في ألمانيا، تعود جذور الدراسات الشعبية الأولى فيها إلى أواخر القرن السابع عشر، عندما ظهرت أبحاث علمية تتحدث عن الخرافات والأساطير والأشباح إلا أنها وُجهت بالسخرية وقوبلت بالرفض من قبل مجموعة من المفكرين الذين اعتبروها مادة غير جديرة بالبحث الأكاديمي وهذه نتيجة طبيعية خاصة إذا علمنا بأن ألمانيا كانت ترزح في تلك الفترة تحت هيمنة المدّ العقلاني الرافض لأي محاولة للخوض في مثل هذه المجالات.
غير أن هذه النظرة السلبية للدراسات الشعبية قد عرفت تحوّلا جذريا منذ أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر والفضل في ذلك يعود للأخوين جاكوب وفيلهام جرم اللذان نشرا سنة 1812 كتابهما " الأطفال وحكايات البيوت " والذي ضم مجموعة هامة من الحكايات الشعبية الجرمانية. وقد لاقى هذا العمل إهتماما كبيرا في الأوساط الألمانية. وبالتالي يعدّ الأخوين جرم من الناحية التاريخية أبا الدراسات الشعبية في بلدهما. إلا أن اللاّفت للنظر بأن تفكيرها لم يكن منصب حول تأسيس دعائم لعلم الفولكلور وإنما كان غرضهما الرئيسي هو الحفاظ على الهوية الجرمانية خشية إندثارها وذوبانها نتيجة موجة الإمبريالية وإختلاط العالم بعضه ببعض جرّاء فتوحات نابليون وخشية أن تُطمس معالم الشعب الألماني ويندثر تراثه.
بينما إتّسمت الأبحاث الفلكلورية الأولى في الولايات المتحدة الأمريكية باتجاهها نحو المنحى والمنزع البرقماتي في تعاملها مع المادة الفولكلورية، وفي هذا الصدد فقد أشار "دروسون" في مجلة الفولكلور الأمريكية: "إن أمريكا البلد الغني لابد أن يمتلك ثروة من فولكلوره الخاص به. ففي هذا العصر الذي تسيطر فيه أمريكا على العالم، يتحتم على الأمريكيين بكل فخر أن يكتشفوا تراثهم الفولكلوري ..."[2]
إلا أن هذه النظرة المنفعية الضيقة ما لبثت أن حلت محلها نظرة أخرى تتسم بالبحث الجاد والمعمق، فلم يعد يُنظر للفولكلور والتعبير الشعبي بصفة خاصة على أنه أداة تكميلية تعزز الهيمنة السياسية والاقتصادية، وإنما أصبح يكتسي أهمية أكبر من خلال إعتباره حاملا لروح الشعب وفنا متطورا على الدوام.
لقد مثل هذا التغير في الرؤية الأمريكية تجاه التراث والفولكلور منعرجا حاسما في تاريخ الأبحاث والدراسات الشعبية بهذا البلد. وقد أدى ذلك إلى تعدّد المحاولات الرامية إلى جمع وتوثيق ودراسة المادة الشعبية الأمريكية ونذكر في هذا الصدد أعمال "ارويين زيلبر" الذي قام بجمع أكثر من عشرة آلاف ومائة وعشرون أغنية شعبية، بالإضافة إلى توثيقه لمعطيات هامة إلى جانب كل منها، ذلك أنه كان يعمد إلى تدوين مكان وزمان نشأتها وأيضا اللحن الذي تؤدى به.
في تتميز الدراسات الشعبية في البلدان العربية بعراقتها التاريخية، فقد كان أسلافنا من العلماء والأدباء العرب حريصين كل الحرص على تدوين جميع الظواهر الثقافية التي خبروها وعرفوها. وبالتالي فلإن الإهتمام العربي بجمع وتدوين المواد المتصلة بالتراث وتوثيقها يعد أمرا قديما وفعلا ضاربا في القدم، وفي هذا الصدد يقول الناصر البقلوطي: "كان العرب من بين الذين مارسوا هذا الضرب من العمل الميداني منذ ما يربو عن ثلاثة عشر قرنا، إذ أنّ علم اللّغة والأدب عندهم قد إنبنى في إنطلاقه على تدوين الشعر والأخبار المتوارثة والمتناقلة من أفواه الرواة ومن نسميهم اليوم بالإخباريين"[3] وعلى ذلك فقد قام المؤلفون والمؤرخون بوضع العديد من الكتب والمؤلفات المرتبطة بهذا الفن. سعوا فيها إلى تسجيل كل الظواهر المتعلقة بحياة الشعب بمختلف طبقاته وضمنوها كل التفاصيل حتى تلك التي تبدو بسيطة ونذكر في هذا المقام كتابات أبي الفرج الإصفهاني، والجاحظ وابن قتيبة ...
وقد وصلنا عنهم الشيء الكثير حتى صرنا اليوم مثلا على درجة كبيرة من الإطلاع على حياة السلاطين والأمراء وطريقة عيش العامة والفلاحين قديما. غير أنّ هذا الاهتمام والشغف بتدوين التراث وتوثيقه قد عرف فترة من الركود، لاسيما بعد قدوم جحافل التفرقة وتغلغل الإستعمار في جسد الكيان العربي وما رافق ذلك من محاولات لطمس ملامح الهوية العربية ومساعي حثيثة لقطع كل مظاهر وأشكال علاقة هذه الشعوب بماضيها وجذورها. بيد أن هذه المحاولات لم تفلح كثيرا، ذلك أنه سرعان ما تفطنت مجتمعاتنا إلى ضرورة التصدي لهذه الأفكار الإستعمارية وأهمية محافظتها وتمسكها بتراثها، بعد أن أيقنت بأن رسم ملامح الهوية فيها يمر حتما عبر البحث عن الروح الشعبية وإعادة إحيائها. وهذه الأخيرة لا يمكن الحصول عليها إلا من خلال الحفر والتنقيب في خزائن التراث وماضي الأجداد. وقد تدعمت هذه الرؤية خاصة إثر حصول جميع الشعوب العربية تقريبا على إستقلالها. فبرزت نخب مثقفة نادت بضرورة إيلاء الدراسات الفولكلورية أهمية أكثر وتعالت الأصوات المؤيدة لهذا الرّأي.


[1] ) نبيلة إبراهيم، الدراسات الشعبية بين النظرية والتطبيق، المكتبة الأكاديمية، الطبعة الأولى، مصر 1994، ص 147.
[2] ) نبيلة إبراهيم، الدراسات الشعبية بين النظرية والتطبيق، مرجع سابق،  ص 75.
[3] ) الناصر البقلوطي، مقولات في التراث الشعبي، منشورات تبر الزمان، تونس 2005، ص 13.

0 تعاليق:

إرسال تعليق

نكتب لنتواصل.. الرّجاء ترك تعليق