جمنة الخمسينات تعطي درسا في التربية الحديثة: التربية البنائية للأطفال. مواطن العالم د. محمد كشكار

3 comments

بقلم : محمد كشكار 

حسب مقاربته "البنائية"  Le constructivisme
في اكتساب المعرفة لدى الطفل, يقول "بياجي
عالم معرفة نمو الطفل السويسريsuisse  Épistémologue génétique de l’enfant
أن الطفل يتملك المعرفة عندما يتفاعل مع محيطه المادي
أما "فيقوتسكي" عالم البيداغوجيا الروسي فيقول, حسب مقاربته
"البنائية الاجتماعية"  Le socioconstructivisme  
أن عامل التفاعل مع المحيط المادي غير كاف لاكتساب المعرفة و يضيف عاملا ثانيا يتمثل في التفاعل البشري مع الآخرين أندادا و بالغين

لم يقرأ سكان قرية "جمنة" الخمسينات "بياجي" و لا "فيقوتسكي" و لا يعرفون شيئا عن نظريات علوم التربية الحديثة لكنهم طبقوا ما جاء فيها أحسن تطبيق: كنا أبناء حي واحد، أطفالا ذكورا صغارا لم نتجاوز سنّ السادسة. نغادر بيوتنا صباحا دون مرافق كهل. نتجمع بكل حرية في مكان فسيح غير بعيد عن أهالينا. بستان فيه نخل و ظل دون زرع. نبقى فيه بالساعات, نلعب و نلهو كما يحلو لنا دون رقيب كهل. نتشاجر بعض الأحيان  لكن سرعان ما نتصالح حتى يستمر اللعب. نصنع لعبنا بأنفسنا من معلبات سمك "السردين" و معجون الطماطم, سيارات و شاحنات مصغرة تنقل الرمل و تفرغه آليا. نتقمص أدوارا متنوعة بالتداول, البائع و الشاري, السائق و الشرطي, الأب و الابن, الفائز و الخاسر, الغالب و المغلوب. لباسنا خفيف و أقدامنا حافية و أرضنا حنون و مناخنا حار. لمجتنا تنزل دون سابق إعلام من السماء بلحا أخضرا و أصفرا أو "
نرمي من كان عن الأحقاد مرتفعا فيتساقط علينا رطبا جنيا" و عندما نجوع فعلا, نعود إلى ديارنا. نجد أما حنونا في انتظارنا لا تلومنا و لا تنهرنا بل تقدم لنا ما جنت و طحنت و طبخت بأيديها الربانيتين, وجبة بيولوجية صحية خالية من الأغذية المصنعة المغشوشة باهظة الثمن. في المساء, نعيد الكرّة مع تغيير "وضعيات التعلم" التي نختارها بأنفسنا مثل صيد الطيور أو الجري وراء إطار حديدي لعجلة دراجة أو القفز داخل مربعات أو الاحتفاء بسحابة أمطرت في غير موضعها. عرفت بعد خمسين عاما و أنا أدرس دكتورا علوم تربية في جامعة كلود برنار بفرنسا أن هذه الطريقة  من اكتساب المعرفة و المهارات و الكفاءات تسمى "البنائية الاجتماعية". كبرنا قليلا, أخذونا للكتّاب "الخلوة" لتعلم القرآن الكريم في الجامع الكبير. كان الفناء مظلما في النهار و المؤدب-المعلم جالس و عصاه تتنقل فوق رؤوسنا برأفة و حنان. نردّد وراءه لساعات ما ينشد من كلام حلو و موزون. نحفظه عن ظهر قلب دون شرح أو تفسير و نستوعب حسن نطقه و بلاغته و نطرب لموسيقاه. عرفت بعد خمسين سنة أن هذا النوع من التلقين يسمى
"حمّاما لغويا" Bain de langue
يطهّرك هذا الحمّام من الداخل و يغمرك بالمفاهيم و يكسبك في مرحلة الاستيعاب زادا لغويا ثمينا و نطقا سليما تستثمره في مرحلة الفهم في شرح و تفسير أي أثر مكتوب, قرآنا كان أو نثرا أو شعرا

هبّت علينا في التسعينات ريح التحضر و التمدن المشوه فانبطحنا لها دون مقاومة و فتحنا دكاكين تبيع تربية مسمومة للملائكة و سميناها رياضا للأطفال و سجننا فيها فلذات أكبادنا داخل فضاء ضيق و حرمناهم متعة حرية اللعب و التعلم مجانا في مساحات شاسعة, هي هبة من رب العالمين. هل صادفت في حياتك من يغش أو يتاجر بالملائكة؟ من يغتصب حقوق الأطفال، طيور الجنة، فهل يا ترى يدخل الجنة؟ تخلى الأولياء عن دورهم التربوي و أوكلوه لـمربين غير مختصين في التربية, أغلبهم انقطعوا مبكرا لعدة أسباب عن مواصلة تعليمهم العالي  أو ينتظرون وظيفة عمومية, يتقاضون أجورا زهيدة, ناقمين على أنفسهم و على ظروف عملهم, يصبّون جام نقمتهم على أبرياء رضّع أو أكبر قليلا.  لا يعلّمونهم شيئا و لا يتركونهم يتعلمون بأنفسهم أو بمعية أترابهم. يفرضون عليهم نوعل من الانضباط المحبط للإبداع ليتجنبوا حركيتهم التلقائية. قتلوا فيهم الخلق و التخيل و زرعوا في قلوبهم الخوف و الجبن و الامتثال للأوامر حتى و لو كانت نابعة من ظالم. يعلّمونهم لغة ركيكة لا يستوعبونها في صغرهم و لا تنفعهم في كبرهم. يجهّزون روضاتهم بالرديء و الرخيص و المضرّ صحيا من اللعب  و الأدوات المدرسية و يطعمونهم وجبة غير متوازنة مطهية على نار الربح الحرام. يدرّسون البرنامج الدراسي الرسمي للسنة الأولى أساسي و هم يظنون أنهم أحسنوا فعلا و قد صح عليهم قول " يفعل المربي غير المختص بتلامذته ما يفعل العدو بعدوه". أردت مرة مكرها (أمه تعمل 14 ساعة في اليوم) إدخال ابني للروضة, سألت  المروضة و ما أوحش هذه الصفة التي توحي بترويض الوحوش في "السرك": هل تلقنون قرآنا؟ هل تتركون الأولاد يلعبون بحرية؟ أجابتني بالنفي بكل فخر و اعتزاز كأنها تتبرأ من تراثها و ثقافتها و دينها. أبشّركم أنه من حسن حظنا و من محاسن التخلف الاقتصادي في تونس أن الروضات لم تنجح و لم تتكاثر حتى الآن و هي لا تستوعب إلا القليل من أبنائنا

خلاصة القول
أنا لا أدعو لرفض العلم الحديث بل أدعو إلى إحياء عاداتنا الجيدة و إعادة صقلها من جديد و غربلة تراثنا علّنا نجد فيه ما يتلاءم مع التطور الحقيقي لا المزيف. لم يأت علم الغرب من فراغ أو نزل من السماء و لم يكتشفوه صدفة بل صنعوه بعقولهم و تجاربهم حسب حاجتهم و وفق ثقافتهم و تراثهم و دينهم فأصابوا و أخطؤوا. وصل "بياجي" إلى نظرياته في "البنائية" عبر دراسة نمو أبنائه الحقيقيين البيولوجيين و توصّل "فيقوتسكي" إلى "البنائية الاجتماعية" بعد تجارب عديدة في المدرسة السوفياتية. هبوا و هيا تعالوا نفعل مثلهم و ننبش التراب عن تراثنا و تقاليدنا لنطورها و نستنبط منها نظريات في التربية السليمة تتناسب مع واقعنا الاقتصادي و لا تتناقض مع مبادئنا و جغرافيتنا و مناخنا الاجتماعي و الطبيعي و تراثنا و ديننا

v    جمنة: "مدينة - قرية" جميلة مزروعة في الجنوب الغربي التونسي. أعشقها. ولدت  فيها سنة  1952. ترعرعت في مائها و ترابها و كبرت تحت شمسها و ظلها و درست في جامعها و مدرستها الابتدائية. تنشقت عطرها و تحمّمت بتراثها و تنشفت بنورها و ما زالت تلاوة البردة في الجامع القديم ترن في أذني و تسكن قلبي حتى الآن
v    ملاحظة: لا أرغب في الرد على تعليقات القراء المستفزة تجنبا للنقاش البيزنطي خاصة في المواضيع العامة التي ليس لي فيها ما أضيف لكن أنا مستعد تمام الاستعداد للرد لو ناقشني أحدهم في اختصاصي العلمي و هو تعلّمية البيولوجيا. هذا العلم الفتيّ هو الأخ الأصغر غير الشقيق لـ"البيداغوجيا"، أخوان من أم واحدة تُدعى علوم التربية و من أبوين مختلفين. ينتسب أب البيداغوجيا إلى مجموعة من العلوم الإنسانية و التجريبية و الصحيحة و ينتسب أب التعلّمية ذو الاختصاص الواحد إلى علم واحد وحيد إنساني أو تجريبي أو صحيح. يُعتبر العالِم أو الباحث البيداغوجي بمثابة الطبيب العام و يُعتبر العالِم أو الباحث التعلّمي بمثابة الطبيب المختص


إمضائي المتكرّر و المحيّن و المتطور و المتغيّر دائما حسب قراءاتي الجديدة و المتنوّعة في كل المجالات المعرفية الحديثة غربيا و عربيا. مواطن العالم د. محمد كشكار

حتى الآن لم أكتب حرفا واحدا إلا لنفسي: أقصد لتحرير نفسي من التراكمات التراثية التي تضغط عليها و من التصورات غير العلمية التي ورثتها عن الطفولة و العائلة و البيئة و الجامعة و الشباب و الانتماء الأيديولوجي و المجتمع بأسره. هذا يعني أن الكتابة بالنسبة لي بمثابة حفر أركيولوجي في الأعماق، بمثابة تحليل علمي للذات الفردية و الذات الجماعية التونسية الإسلامية العربية على حد سواء. كانت أداة نقد ضد كل ما هو سائد في تونس و العالم و العالم العربي و الإسلامي من أجل تعريته، تفكيكه، أو حتى تجاوزه و توظيفه لتعويضه إذا ما استطعت لذلك سبيلا. أما أولئك الذين يعجبهم الوضع القائم كما هو و يريدون ليس فقط المحافظة عليه و إنما العودة به إلى الوراء أكثر فعلاقتي بهم أبنيها بكل محبة على الجدل و التفاعل الفكري غير الأيديولوجي و ليس على الرفض و الإقصاء لأنني لسبب بسيط لا أستطيع شطب تاريخي التونسي الإسلامي العربي و لا أقدر على معاداة أهلي و أصدقائي و أحبائي مهما اختلفت معهم فكريا. لذلك لم تخدعني الأيديولوجيات اليسارية المنبتة المنتشرة في تونس و في شتى أنحاء العالم العربي الإسلامي. كنت أشعر أن الأمور أعمق و أعظم من خلاف بين اليمين و اليسار. فقد كانت هذه الأيديولوجيات تتحدث عن كل شيء ما عدا الشيء الذي ينبغي التحدث عنه و هو حالة المستضعفين في الأرض و المثقفين  التقدميين الفقراء المهمّشين. كانت عاجزة عن تسمية الأشياء بأسمائها، عاجزة عن تحمل مسؤولية الواقع و مشاكله الملتهبة لأنها تريد أن تغيره دون أن تفهمه، عاجزة عن الحفر الأركيولوجي حتى تصل إلى أعماق تراث المجتمع التونسي الإسلامي العربي و جذوره. (بتصرف عن هاشم صالح في كتابه "مدخل إلى التنوير الأوروبي
ينبغي التوضيح بداية أن النقد يعني الكشف عن الاستخدامات المتعددة و المتباينة للمفهوم في السياقات الاجتماعية و التاريخية المختلفة. مما يعني أيضا كسر صنمية المفهوم أو عدم تحويل المفهوم إلى صنم جامد، له دائما المعنى نفسه و الاستخدام نفسه و الوظيفة ذاتها (إضافة د. م. ك: كالمفاهيم القاموسية المتداولة غير الدقيقة مثل مفهوم اليسارية و العَلمانية و الديمقراطية و الإسلام و الاشتراكية و حقوق الإنسان و حرية التعبير و المساواة بين المرأة و الرجل و حرية المعتقد و غيرها. و هذا هو النقد الذي وجهته و لا زلت أوجهه لمفاهيم العلم و المعرفة و التعليم و التربية و التكوين و اليسارية و العَلمانية و  القومية و التراث الإسلامي و الإسلاميين و الستالينيين و القوميين و المنبتين ثقافيا و المنحازين للغرب دون غربلة أو نقد و حاولت من خلال هذا النقد الهدام و البنّاء في الوقت نفسه أن أبين الاستخدامات غير العلمية التي تعرضوا لها في السياق الغربي و العربي الحديث). برهان غليون
أنا أعتبر نفسي سليل الفكر الإسلامي و القومي و الماركسي و الليبرالي و الإنساني معا (إضافة د. م. ك: أعيد الترتيب و أقول: أنا أعتبر نفسي سليل الفكر الماركسي و الليبرالي و الإسلامي). فليس هناك تمثل من دون نقد. فأنا أعتبر نفسي ثمرة النقد المثلث للإرث الإنساني الليبرالي و الماركسي و القومي (إضافة د. م. ك: و الإسلامي منذ عام 2000) و لا أعتبر نفسي غريبا عنه في مكوناته المختلفة. و أنا سليل هذه المكونات الفكرية بمعنى أنني ثمرة لها و في الوقت نفسه ثمرة التأمل النقدي فيها. برهان غليون

Les idéologies sont liberté quand elles se font, oppression quand elles sont faites. Sartre
جميع الأديان و النظريات الفكرية تتحول بعد فترة معينة من أنظمة منفتحة إلى أنظمة منغلقة و دغمائية... العقل الفلسفي هو نقدي تساؤلي استفزازي بالضرورة. و بالتالي فيشكل السلاح الفعال ضد جميع الانغلاقات الدغمائية و الأيديولوجية. هاشم صالح
فأي دين يستخدم سياسيا بدون أي تأطير علمي أو نقدي يتحول بسرعة إلى إيديولوجيا ظلامية. محمد أركون
الذهن غير المتقلّب غير حرّ
عبد الله العروي:
- لا أحد مُجبر على التماهي مع مجتمعه. لكن إذا ما قرّر أن يفعل، في أي ظرف كان، فعليه إذن أن يتكلم بلسانه (المجتمع)، أن ينطق بمنطقه، أن يخضع لقانونه...لأن في التماهي شرط التحقيق، أي شرط المرور من التصور إلى الواقع، من الفكر المجرد إلى الحياة (د. م. ك: للوصول إلى التماهي يجب استعمال خطاب غير جبهوي و غير صادم لأن هذا النوع من الخطاب ينفّر و لا يبشّر، علينا استحضار التصورات غير العلمية و عدم إهمالها ثم توظيفها بهدف تفنيدها علميا و تعويضها بتصورات علمية
- نعتقد أن أيسر مدخل إلى روح أي مجتمع هو مجموع شعارات ذلك المجتمع
- إذا أردنا أن نعرف معنى الحرية في مجتمع ما، علينا أن نحلل فقه ذلك المجتمع إذا اعتبرنا أن الفقه يعطينا صورة شاملة على العلاقات الاجتماعية في المجتمع العربي التقليدي
- لكي نحافظ على أسباب التقدم لا بد من الإبقاء على حقوق المخالفين في الرأي، لأن الاختلاف هو أصل الجدال و الجدال هو أصل التقدم الفكري و الابتكار
انتهى الاستشهاد بعبد الله العروي، و هو حسب محمد أركون ، أحد المثقفين "المسلمين" النادرين جدا، إذ أدخل نقدا يمتّ بالنسب إلى الفكر الماركسي، في دراسته للإسلام لا كدين، بل كعامل تطور تاريخي للمجتمعات
يقول روسو متعرضا لحركة الإصلاح الديني في أوروبا أن منطق ذلك الإصلاح: "هو قبول كل تأويلات الكتاب المقدس سوى تأويل واحد، ذلك الذي يرفض حرية التأويل
يقول جون ستوارت ميل: "عندما نقبل أن تكون المبادئ مسلمات لا تحتمل النقد و أن تكون المسائل الكبرى التي تهم البشر موضحة بدون نقاش مجدد، حينذاك يضمر النشاط الفكري الذي طبع الفترات الذهبية من تاريخ الإنسان"، (إضافة د. م. ك: "و الفترة الذهبية في تاريخنا العربي الإسلامي، على حد علمي، هي الفترة العباسية حيث كثر الجدل الفكري و ساد التسامح مختلف المذاهب الدينية و ترجمت الفلسفة اليونانية و..."). يلخص ميل رأيه في العبارة البليغة التالية: "لو كانت الإنسانية كلها مجمعة على رأي عدا فرد واحد فلا يحق لها أن تسكت الفرد المخالف لرأيها، كما لا يحق لذلك الفرد، لو استطاع، أن يسكت الإنسانية المعارضة لرأيه
يطلب الداعية السياسي أو الفكري من قرائه أن يصدقوه و يثقوا في خطابه أما أنا - اقتداء بالمنهج العلمي - أرجو من قرائي الشك في كل ما أطرح من إشكاليات و أنتظر منهم النقد المفيد
لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة و البراهين بل أدعوكم بكل تواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى و على كل مقال سيء نرد بمقال جيد، لا بالعنف اللفظي أو المادي
الكاتب منعزل إذا لم يكن له قارئ ناقد
عزيزي القارئ, عزيزتي القارئة، أنا لست داعية، لا فكري و لا سياسي, أنا مواطن عادي مثلك، أعرض عليك  وجهة نظري المتواضعة و المختلفة عن السائد, إن تبنيتها, أكون سعيدا جدا, و إن نقدتها, أكون أسعد لأنك ستثريها بإضافة ما عجزت أنا عن إدراكه, و إن عارضتها  فيشرّفني أن يصبح لفكرتي معارضين
البديل يُصنع بيني و بينك، لا يُهدى و لا يُستورد و لا ينزل من السماء (قال تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) و واهم أو غير ديمقراطي من يتصور أنه يملك البديل جاهزا
L’intellectuel est une création du XIXè siècle qui disparaîtra à la fin du XXè ou du XXXè parce qu’il est fait pour disparaître. L’homme qui pense pour les autres, cela n’a pas de sens. Tout homme qui est libre ne doit être commandé par personne que par lui-même. Jean-Paul Sartre
Faire avec les conceptions non scientifiques pour aller contre ces conceptions et construire en même temps des conceptions scientifiques. Citoyen du monde Dr Mohamed Kochkar
الحوار (د. م. ك: الحوار بين اليساريين التونسيين و الإسلاميين التونسيين) لا يمكن أن يتم بالعقليات التقليدية، لا بد له من عقلانية مركبة ذات رؤية منفتحة لا مغلقة وصيغة مرنة لا جامدة وبنية مركبة لا بسيطة ومنهج تعددي لا أحادي ونظام متحرك لا ثابت، خصوصاً ونحن نلج في عصر تبدو فيه المعطيات في حركة متواصلة وسيلان دائم. علي حرب
في النهاية أنا مواطن فقير بسيط عادي و أقرب المثقفين اليساريين ماديا إلى طبقة البروليتاريا، مواطن  منعزل و معزول قصدا من اليسار و اليمين بسبب نقدي للاثنين معا. لا أنتمي لأي حزب و لا أومن بأية إيديولوجية يسارية كانت أو يمينية لكن أومن بالمُثل العليا سماوية المصدر أو إنسانية الإبداع
لا حول لي و لا قوة إلا بالله و الشعب و الفكر و الثقافة الإنسانية و العلم و التكنولوجيا و المعرفة و نقد المعرفة و ليس لي أي وزن أو تأثير مباشر على الأحداث و أمارس النقد الفكري و السياسي و الاجتماعي و العلمي و الثقافي كهواية أدبية دون اختصاص في هذا المجال الواسع و لا أملك بدائل جاهزة لِما أنقد لأن النقد مؤسسة قائمة بذاتها و غنية بما تقدّمه للمبدعين و الناس العاديين، كل في مجاله، و أرى أن البديل ينبثق انبثاقا من صنع و تفاعل أصحاب المشكلة فيما بينهم و أهل مكة أدرى بشعابها
يبدو لي أن المثقف العربي توغّل في نقد الإنتاج الثقافي العربي و نسي نقد آلة الإنتاج نفسها المتمثلة في المثقف العربي نفسه
محمد كشكار, أستاذ تعليم ثانوي أول فوق الرتية في علوم الحياة و الأرض منذ 37 سنة و دكتور في تعلّميّة البيولوجيا متخرج سنة 2007 تحت إشراف مشترك من جامعة تونس وجامعة كلود برنار بليون 1 بفرنسا
         أعرّف نفسي كديمقراطي مُعجب بالنمط الأسكندنافي لكن متماهي مع مجتمعي التونسي الإسلامي العربي الأممي غير المتحالف مع الإدارة الأمريكية الحالية و ملوك وأمراء الخليج العربي و حلف الناتو الاستعماري الجديد (تونس تبربرت و ترومنت و تقرطجت و تأسلمت و تعرّبت و تعولمت فتتونست و هي انبثاق من تفاعل كل هذه الحضارات جميعا)، و هذا تعريف لوحده مُبِين، أتبناه حيطة و حذرا علميا، لا هروبا و تقية من التعريفات السائدة كاليسارية و العَلمانية و الحداثة، هذه المفاهيم الثلاثة الأخيرة التي شُوهت عن قصد سياسي و غير علمي من قبل أعدائها و غير المطلعين على تراثها العالمي الرحب و الغني، هم اليمينيون المثقفون و غير المثقفين الذين حمّلوها ما لا تتحمل و نسبوا لها جهلا و ظلما و بهتانا مفاهيم غريبة عنها كالميوعة و "قلة الرجولية" و  الكفر و الإنبتات و الخيانة الوطنية. لكن في المقابل - و للأسف الشديد - لم يطورها محتكروها الشيوعيون و القوميون و الاشتراكيون و لم يخلّصوها من بعض المفاهيم الشوائب التي لصقت بها منذ ثلاثة قرون تقريبا  و لم يسلّطوا نقدهم الذاتي العلني على بعض مفاهيمها المتكلّسة كشيطنة الإسلام السياسي (أفهمه فقط كرد فعل شرعي للدفاع عن النفس ضد تهديدات المتطرفين منهم، الداعون لقتلهم و نفيهم و صلبهم و تقطيع أيديهم و أرجلهم من خلاف، لا لشيء سوى معارضتهم لهم سياسيا و سلميا بالمظاهرات و الاعتصامات التي لا تعطل مرفقا عاما) و دكتاتورية البروليتاريا  و الحزب الطلائعي الأوحد  و عبادة و تقديس الشخصيات التاريخية السياسية مثل الحكام الدكتاتوريين كلينين و ستالين و ماو و كاسترو و عبد الناصر و صدام و الأسد مع احتفاظي باحترامي التام للتابعين لهؤلاء من الرفاق المعاصرين المناضلين التونسيين النقابيين القاعديين اليساريين الصادقين النزهاء الذين تربيت وسطهم و ناضلت معهم و أعترف و أشهد لهم بالوطنية و الشجاعة أيام معارضتهم لبورقيبة و بن علي و الحكومة الحالية
تتضخم الحرية في الفكر بقدر ما تضمر في الواقع... الحرية في مفهومها تناقض و جدل: توجد حيثما غابت و تغيب حيثما وُجدت... لكي نحافظ على أسباب التقدم لا بد من الإبقاء على حقوق المخالفين في الرأي، لأن الاختلاف هو أصل الجدال و الجدال هو أصل التقدم الفكري و الابتكار. عبد الله العروي
كبعض المفكرين المسلمين، أتأرجح في موقفي الكشكاري الشخصي من الحرية بين مناصرة الحركة الاشتراكية فيما يتعلق بالحقوق الاجتماعية و بين مناصرة الليبرالية فيما يتعلق بالحريات الفردية
أنهي إمضائي بمقولتين توفيقيتين جميلتين من مصدرين ظاهريا مختلفين بل متناقضين لكنهما ينتميان إلى التراث الإنساني العالمي المتسامح و لا يستطيع أن ينكرهما أي من الخصمين الفكريين، اليساريون و الإسلاميون: حديث للرسول صلى الله عليه و سلم: "لن يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" و مقولة ماركسية، نهاية في نكران الذات: "مِن كل حسب جهده و لكل حسب حاجته" و السلام على اليسار و اليمين المطبوعين تونسيين رغم أنفهما

هناك 3 تعليقات:

  1. حمد الخليل28 أغسطس, 2012 08:43

    السلام عليكم حقيقة عندي سؤال عن سبب الفصل التميزي الذي اعتمده بين "يسارية" و "علمانية"؟

    ردحذف
  2. جواب مقتضب و متأخر (و تأخره خارج عن نطاقي لأنني لم أقرأ تعليقك المهم و الدقيق إلا البارحة) على تعليق حمد الخليل الذي قال فيه: "السلام عليكم حقيقة عندي سؤال عن سبب الفصل التميزي الذي اعتمده بين "يسارية" و "علمانية"؟.
    جواب من إنسان مجتهد لكن غير مختص، عليك إذن أن تأخذه بحذر علمي شديد و لا تركن إلى الكسل الفكري و تكتفي بالفقرتين التاليتين:

    1. أولا، تمهيد للجواب الثاني الذي يعنيك:
    أنا توصلت أخيرا و بصفة فردية إلى الفصل بين مفهومي اليساري و الشيوعي. كل شيوعي هو بالضرورة يساريى لكن كل يساري ليس بالضرورة شيوعيا و ذلك لسبب بسيط و هو أن اليسارية خُلقت كمفهوم سياسي قبل ظهور الشيوعية (ولدت كمفهوم يوم انعقاد أول مجلس تأسيسي بعد الثورة الفرنسية سنة 1989 عندما طُرح الفيتو الملكي للتصويت، فمَن صوتوا ضد الفيتو الملكي، جلسوا في يسار القبة البرلمانية فذهبت فبهم تسمية يساريين و أما من صوتوا لفائدة الفيتو الملكي فقد جلسوا في يمين القبة و ذهبت فيهم تسمية اليمين. و الأولى أشمل من الثانية لكنها تشترك مع الثانية في بعض المبادي و تعارضها في أخرى. و سأضرب لك مثلا شخصيا، أنا كنت في شبابي يساريا شيوعيا. كبرت في العمر و التجربة و الاحتكاك بالمناضلين اليساريين الشيوعيين الصادقين و المحترفين فتماهيت مع مجتمعي و نطقت بمنطقه و تكلمت بلسانه و الذهن غير المتقلب ذهن غير حر فبدى لي أنني فهمت أكثر الفرق بين اليسار و الشيوعية فتخليت عن أكثر المبادئ الشيوعية الأساسية مثل الحزب الواحد و الزعيم الأوحد و ديكتاتورية البروليتاريا و المركزية الديمقراطية و المادية التاريخية و الإلحاد و الحرية الجنسية و إلغاء الملكية الفردية و العنف الثوري المسلح و الانقلابات المسلحة بأقلية من الطلائعيين و حافظت على بعض المبادئ الأساسية بالنسبة لي كالعدالة الاجتماعية و فائض القيمة و الأممية و المساواة الكاملة غير المشروطة بين المرأة و الرجل في الحقوق حتى و لو اختلفوا في الواجبات نتيجة اختلافات بيولوجية و هذه قمة الإنسانية أن تساوي بين ضعيف في البنية و قوي في البنية و الإنسانية تتناقض مع الحيوانية حيث حوت يأكل حوت و قليل الجهد يموت، في العدالة الاجتماعية الإنسان قليل الجهد لا يموت بل يعيش متساويا مع كثير الجهد تطبيقا لمبدأ الشيوعية الإنساني الشهير "مِن كل حسب جهده و لكل حسب حاجته" فأصبحت أعرّف نفسي علنا و سرا و نشرا بالمواطن التونسي الأمازيغي المسلم العربي الأممي اليساري غير الماركسي من أصل جمني. و كان هذا التعريف المتنوع يثير حفيظة رفاقي الشيوعيين القدماء و الحاليين.

    2. الجواب على سؤالك:
    أنا أميز أيضا بين مفهومي اليسارية و العَلمانية و سأضرب لك مثلا على نظام سياسي يساري لكنه ليس علمانيا و هو نظام لينين و ستالين (الذي عاش في الاتحاد السوفياتي و انقرض عام 1989 سنة تاريخ سقوط جدار برلين بين الألمانيتين) حيث أصبحت جميع الأديان بما فيها الأرتدوكسية المسيحية و الإسلام ممنوعة و أجبر كل الطلبة على تعلم الإلحاد في الجامعات فأصبح الإلحاد دين الدولة فلم تعد الدولة علمانية لأن الدولة العلمانية لا دين لها و هذا لا يعني أن القائمين عليها ليس لهم دين. لم يتعامل النظام الشيوعي مع الأديان بعقلية علمانية، العقلية التي لا تغلّب دين على دين و تعترف بكل الأديان على السواء و تتعامل معهم بعدالة و ليس بمكيالين كما فعل النظام الشيوعي المشوه الذي لم يسمح للمتديمين من أبناء الوطن الواحد بممارسة شعائرهم الدينية بكل حرية و منعتهم بالقانون من بناء دور عبادتهم أو تحسينها أو استغلالها لأغراض دينية بحتة عكس ما هو معمول به في أمريكا حيث الدولة علمانية مائة في المائة و الشعب الأمريكي متدين تقريبا مائة في المائة فالمسلم فيها حر في بناء الجوامع و المسيحي حر في بناء الكنائس عكس ما حصل و يحصل في مصر الدولة غير العلمانية منذ عهد عبد الناصر إلى اليوم بعد الثورة تحت الحكم الإسلامي غير العَلماني أيضا للإخوان المسلمين و هذه الدولة المصرية القومية أو الإسلامية هي التي ضيقت جدا على المسيحيين الأقباط المصريين في بناء كنائسهم أو حتى توسيعها و في الوقت نفسه تسهل و تعاون على انتشار الجوامع بالآلاف و بناءها و تشييدها و توسيعها من قبل المسلمين و هذه سياسة الكيل بمكيالين في أمور الدين و هذه ممارسة تدينها الدولة العلمانية و تعمل عكسها، عكس ما يعتقده بعض الإسلاميين العرب غير المطلعين على تجارب الشعوب اللأوروبية و الذين يفهون العلمانية على أنها معاداة للدين و هي في مضومنها العكس تماما فهي المسؤول القانوني الوحيد الساهر واجبا على رعاية شؤون كل الأديان بالقانون العلماني.
    أرجو أنني بلغلت الفكرة أو نصف الفكرة على الأقل و عليك أن تبحث على النصف الآخر عند المختصين في العلمانية من العرب و غير العرب و هم كثر و السلام.

    ردحذف

نكتب لنتواصل.. الرّجاء ترك تعليق